محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
13
بدائع السلك في طبائع الملك
ينزلنا بعض بلادنا وانما أنزلنا بعض بلاده . ولم يأمرنا أن نسيء بعبده ، فكيف يحسن للعبد ان يسيء إلى عبد مثله . وما أرى النعمة عند أحد أوفر منها عندنا أهل البيت ، ولا الشكر على أحد أوجب منه علينا ، ولست أرجو الله بقبيح المعصية ، انما أرجوه بحسن الطاعة ، وقد أريتني بعض ما تصنع ، وسأريك بعض ما أصنع ، وأتاني عنك بعض ما أكره ، ولن ترى « 24 » الا مثله وقد بعثت إليك الغوث « 25 » بن غياث ، وأمرته بايقافك للناس ، ومجازاتك ما أفرطت « 26 » ، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة « 27 » ، وما أريد الا الحق ، فان جاوزته ، فأنا أحق بالعقوبة منك ، ولأن ألقى الله وأنت ساخط بما اصنع ، وهو راض به ، أحب اليّ من أن ألقاه ، وقد أسخطته ، وأنت عني راض . فلما انتهى الغوث إلى العامل ، أقامه للناس ، فإذا الذي قيل عنه باطل ، وإذا العامل عنه غافل . وذلك أنه كان صحيحا في أمره ، لا يأخذ فيه الا بالشدة ، ولا يعرف الا بالصحة ، وكان الغوث ذا دهاء ونظر ، فقال : والله لأنظر من اين هذه الشكوى التي ليس لها أصل يوصف ، ولا فرع يعرف . فسأل عن العامل في السرّ ، من يخبر أمره ، فأخبروه بأنه مملوء كبرا ، وانه لا ينطق الا نزرا ، ولا ينظر الا شزرا . كأن له عليهم منة ، أو بينه وبينهم احنة . فقال الغوث : من هاهنا أتى « 28 » . وكتب إلى تبع يعلمه بذلك ، وأعلمه أنه أطلق عليه الألسن ، وأشخص اليه الأعين ، وألب عليه الناس . فأتوه من كل أوب ، يقذفونه بكل عيب ، فلم يثبت عليه من ذلك كثير يعذب عليه ، ولا قليل يعزل « 29 » فيه ، سوى تكبر قد مقت له « 30 » ، وتجبر قد عيب به ، وفظاظة قد أحنقت بهم عليه . فأجمعوا له على البغض « 31 » ، فسبوه سرا ومقتوه جهرا ، ونسبوه في كل أمر إلى غاية الفحشاء .
--> ( 24 ) و : وقد ترى . ( 25 ) و : الغوث الغياث . ( 26 ) س : أقرضتك . ( 27 ) س : والقوة بالقوة . ( 28 ) س : أوتى . ( 29 ) ه : - يعذب . ( 30 ) س : به . ( 31 ) س : البغضاء له .